ابن رشد

275

تهافت التهافت

يقال أنه لا بد في حركة الحيوان من أن يكون رجل يقدمها ورجل يعتمد عليها وذلك يوجب أن يكون للحيوان جهتان يمين ويسار وأن اليمين هي التي تقدم ابتداء لقوة تختص بها وأن اليسار هو الذي يتبع ابتداء في الأكثر اليمين لقوة تختص بها وأنه لم يمكن أن يكون الأمر بالعكس أعني أن تكون جهة اليمين هي جهة اليسار لأن طبائع الحيوان تقتضي ذلك إما اقتضاء أكثريا وإما دائما . وكذلك الأمر في الأجرام السماوية إذ لو سأل سائل فقال : لم تتحرك السماء من جهة دون جهة ؟ قيل : لأن لها يمينا ويسارا وبخاصة إذ قد ثبت من أمرها أنها حيوان ، إلا أنها يخصها أن جهة اليمين في بعضها هي جهة اليسار في البعض وهي مع هذا الجزء الواحد منها تتحرك إلى الجهتين المتضادتين كالرجل الأيسر الأعسر فكما أنه لو سأل سائل فقال : إن حركة الحيوان كانت تتم لو كان يمينه يساره ويساره يمينه ، فلم اختص اليمين بكونه يمينا واليسار بكونه يسارا لقيل له : ليس لذلك سبب ، إلا أن طبيعة الجهة المسماة يمينا اقتضت بجوهرها أن تكون يمينا وألا تكون يسارا ، وطبيعة اليسار اقتضت بجوهرها أن تكون يسارا وألا تكون يمينا وأن الأشرف للجهة الأشرف كذلك إذا سأل سائل لما اختصت جهة اليمين في الحركة العظمى بكونها يمينا وجهة اليسار بكونها يسارا وقد كان يمكن أن يكون الأمر بالعكس ، كالحال في أفلاك الكواكب المتحيرة لم يكن له جواب إلا أن يقال الجهة الأشرف اختصت بالجرم الأشرف كالحال في اختصاص النار بفوق والأرض بأسفل . وأما كون السماوات تتحرك بالحركتين المتضادتين ما عدا الحركة اليومية فلضرورة تضاد الحركات هاهنا ؛ أعني حركة الكون والفساد وليس في طبيعة العقل الإنساني أن يدرك أكثر من هذا بأمثال هذه الأقاويل ، وفي هذا الموضع . فلما اعترض عليهم أبو حامد هذه المسألة وقال : إنه ليس لهم عليها جواب ، حكى في ذلك جوابا عن بعض الفلاسفة فقال : وقال : بعضهم لما كان استكمالها يحصل بالحركة من أي جهة كانت ، وكانت انتظام الحوادث الأرضية يستدعي اختلاف حركات ، وتعيين جهات كان الداعي لها إلى أصل الحركة التقرب إلى اللّه تعالى ، والداعي إلى جهة الحركة إفاضة الخير على العالم السفلي . قال : وهذا باطل من وجهين : أحدهما : أن ذلك إن أمكن أن يتخيل فلنقص بأن مقتضى طبعه السكون احترازا عن